رغم اعتراف الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون أثناء حرب أكتوبر 1973 : " أمرت بعمل جسر جوي ليدفع عن إسرائيل الهزيمة " ، إلا أنه هو نفسه أيضا الذى يعترف فى تسجيلاته السرية أن اليهود قوم " عدوانيون وسمجون " ، وهو تناقض يكشف الصراع النفسي الذى يعانيه الرئيس الأمريكي بين التزامه بأمن إسرائيل وبين مشاعر الكراهية الشخصية تجاهها ، وهو ما أكدته شرائط أرشيف مكتبة الرئيس نيكسون التى نشرت صحيفة " نيوريورك تايمز " تفريغا لها ، وقد حملت أكثر من مفاجأة ..
كادت حرب السادس من أكتوبر 1973 أن تشعل حربا نووية بين أكبر قوتين فى العالم آنذاك وهما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي ( روسيا ) ، وذلك باعتراف الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون فى أثناء هذه الحرب التى كانت مفاجأة للمخابرات الأمريكية والإسرائيلية على حد السواء ..
يقول الرئيس نيكسون : " أتذكر بوضوح اجتماعا حدث فى عام 1973 مع المسئولين بخصوص حرب الشرق الأوسط ، وكانت فى بداياتها ، ولم تكن هذه البداية لصالح إسرائيل . وقام الاتحاد السوفييتي بعمل جسر جوي لنقل الأسلحة إلى سوريا ومصر، وعندما سأل أحد أعضاء الكونجرس إذا كانت الولايات المتحدة ستتخذ أي إجراء فى هذا الشأن ؟ أجبته بلا مواربة : " ليس هناك رئيس أمريكي يمكنه أن يسمح بتصفية إسرائيل " ، وأمرت عندئذ بعمل جسر جوى ليدفع عن إسرائيل الهزيمة ، ووضعت قوة الولايات المتحدة النووية فى حالة تأهب لمجابهة أي تدخل سوفييتي فى المنطقة " .
وقد نفذ هذه السياسة بكل جدارة وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر الذى عرقل وقف إطلاق النار فى حرب أكتوبر ، حتى تحقق إسرائيل مكاسب على الأرض تساوم بها فى المفاوضات .. ومع ذلك فإن الرئيس نيكسون ووزيره كيسنجر كانا يكرهان إسرائيل ، كما تظهر التسجيلات السرية للرئيس نيكسون التى تم الكشف عنها ، والتي أوضحت أنه يلعن إسرائيل ، إلا أن التزام أي رئيس أمريكي تجاهها فوق أي مشاعر شخصية ، فقد بادر وفد المؤتمر اليهودي – طبقا لوكالة " ريانوفوستي الروسية " فى ديسمبر 2010 – بطلب اللقاء مع السفير الأمريكي بعد نشر الصحافة الأمريكية تفريغا لشرائط أرشيف مكتبة نيكسون التى كشفت عن أن اضطهاد اليهود السوفييت كان مجرد ذريعة شكلية لإقرار تعديل الكونجرس حول حظر منح الاتحاد السوفييتي أفضلية الدولة الأولى بالرعاية ، وكشفت عن أن جولدا مائير – رئيسة وزراء إسرائيل – قد تناولت هذه القضية خلال لقائها مع نيكسون قبل تنحيه بسبب قضية ووتر جيت ، وهو ما علق عليه كيسنجر – اليهودي الألماني الأصل – قائلا : " إن هجرة اليهود السوفييت ليست من أهداف السياسة الخارجية الأمريكية – وأضاف : حتى إذا أودعوا كل اليهود السوفييت فى غرف الغاز ، فلن يكون ذلك مشكلة أمريكية .. ولربما تكون مشكلة إنسانية " .
وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد نشرت فى 11 ديسمبر 2010 تفريغا لشرائط أرشيف مكتبة نيكسون ، وقالت أن الرئيس نيكسون صارح وزير خارجيته كيسنجر بأنه يتفق معه فى مثل هذا التقدير ، مؤكدا أن الولايات المتحدة لن تستطيع تدمير كل العالم من أجل اليهود السوفييت ، فيما وصف ممثلو هذا الشعب - اليهودي – بأنهم شعب فظ عدواني كريه وسمج " .
ولكن ما يقوله القادة الأمريكيون بين أنفسهم فى الغرف المغلقة شئ ، وما يفعلونه شئ آخر كمسئولين فى الإدارة الأمريكية تجاه إسرائيل مهما كانت مشاعرهم الشخصية ، أو حسبما يقول الرئيس الأمريكي نيكسون نفسه : " لن يستطيع أي رئيس أمريكي أو كونجرس أن يسمح بتدمير إسرائيل " ، وبعبارة أكثر وضوحا يعترف نيكسون : " إن أكثر ما يهمنا فى الشرق الأوسط هو البترول وإسرائيل ، ولو أنهما لا يسيران دائما فى اتجاه واحد . فالتزاماتنا نحو إسرائيل تجعلنا نتحمل مصاريف باهظة فى بترول الخليج ، طبقا لأسعار السوق الحرة كما حدث عام 1973 ، عندما حظرت الدول العربية تصدير البترول إلينا ، وفى نفس الوقت تؤدي التزاماتنا للحفاظ على أمن السعودية والخليج إلى تعقيد علاقاتنا مع إسرائيل أحيانا " .
فهل أصبح استخدام سلاح البترول مجرد ذكري لا تتكرر ، ولم يعد هناك سلاح بديل لهذا السلاح لدي العرب ؟
وقد أجاب عن هذا السؤال المفكر الفرنسي المسلم رجاء جارودي عندما قال :
" إن امتناع العرب والمسلمين عن شرب " الكوكاكولا " سيهز البيت الأبيض " .
ولنا فى الصين مثلا حيا على قوة الإرادة إن صدقت ، فهي تعطينا الدرس كما رآه كاتبنا الكبير محمد العزبي أثناء زيارته " للصين " التى قاطعت منتجات الغرب لدعم المنتج الصيني .. جاءت " كوكاكولا " من أمريكا رأسا بعد أن كتبت على زجاجاتها الاسم بحروف صينية ، وكسبت دعاية بمليون جنيه ، ولكنها لم تكسب ولا مليما ، لأن الصينيين يفضلون شرب الشاي إياه ، ولا يغيرون عاداتهم ولو من أجل عيون أمريكا " .
وهذا يعني أن العرب قادرون كالصين إذا أرادوا مرة أخري أن يعاقبوا أمريكا لانحيازها السافر إلى إسرائيل ، وهذا مجرد بند واحد " الكوكاكولا " مما تصدره الحضارة الأمريكية لعالمنا العربي والإسلامي ، فما بالك إذا وضعت المنتجات الأمريكية فى حالة حظر ، وما الذى يمكن أن يترتب على ذلك ، فهل تبيع أمريكا مصالحها من أجل إسرائيل ؟
يري الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون : " أن مصالحنا تحتاج إلى حسابات معقدة ، فعلينا المحافظة على بقاء إسرائيل ، وفى نفس الوقت التعامل مع الدول العربية المعتدلة لضمان أمان الخليج " .
فما الحل للحفاظ على هذه المعادلة المعقدة ؟
يري الرئيس نيكسون أن الحل فى " السلام " أو كما يقول :
" إن عملية السلام ليست ترياقا لكل الأوجاع ، ولكنها ضرورية لمصالح أمريكا فى العالم الإسلامي " .
ويكشف نيكسون أهمية إسرائيل لأمريكا بكلام يناقض بعضه بعضا ، ولكنه يحاول أن يبرر ، ويقنعنا بما هو نفسه ليس مقتنعا به ، ولكنها السياسة الأمريكية التى لا يستطيع أي رئيس أمريكي أن يحيد عنها حتى ولو لم يكن مقتنعا به ، يقول الرئيس نيكسون :
" إن التزاماتنا نحو إسرائيل عميقة جدا ، فنحن لسنا مجرد حلفاء ، ولكننا مرتبطون ببعضنا بأكثر مما يعنيه الورق . نحن مرتبطون معهم ارتباطا أخلاقيا . إن إسرائيل ليست مكسبا استراتيجيا للولايات المتحدة ، بخلاف الرأي السائد فى هذا الشأن . إن تعاوننا فى أجهزة المخابرات والمناورات والمسائل الحربية ، مهم ، ولكنه ليس حيويا . لقد أثبتت الجيوش الإسرائيلية حقا كفاءتها فى الحروب ، وقد أسهمت فى حرب الخليج ( بعدم تدخلها فى الصراع ) إلا أن هذه الحرب قد بينت أن تأثير إسرائيل محدود فى المنطقة ، ولكن التزامنا تجاهها ينبع من ميراث الحرب العالمية الثانية ، والتزامنا الأدبي تجاه مساندة الديموقراطيات الضعيفة " .
وهذا تبرير ساذج لا يتفق والرغبة الأمريكية المعلنة فى السلام ، فأي سلام تريده أمريكا وهي منحازة لإسرائيل ظالمة و " مظلومة " ، وتدعمها عسكريا واقتصاديا وسياسيا ، وفى المحافل الدولية ، رغم عدوانها واستمرارها فى احتلال الأراضي العربية منذ عدوان 1967 ، وهو ما يعترف به الرئيس نيكسون مؤيدا اعترافه بإقرار إسرائيل نفسها ، أو كما يقول :
" إسرائيل هي التى بدأت الضربة الأولى ، لقد قال رئيس وزراء إسرائيل السابق مناحم بيجين فى أغسطس 1982 : " كان لنا الخيار فى يونيو 1967 مرة ثانية ، فإن تجمعات الجيش المصري لم تكن تثبت أن عبد الناصر ينوي أن يهاجمنا ، يجب أن نكون صرحاء مع أنفسنا ، ولقد قررنا نحن أن نهاجمه " .
ورغم أهمية السلام بالنسبة لأمريكا – كأمنية – للحفاظ على مصالحها ، إلا أن إسرائيل لا تستجيب ، ولا تنوى أن تستجيب ، رغم أن نيكسون يري :
" إنه من الخطورة بمكان ، ومن دواعي عدم الاستقرار ، إبقاء العرب تحت الاحتلال – ويضيف مندهشا : ومن المثير للعجب أن قادة إسرائيل لا يريدون إقرار السلام ، فى الوقت الذى تبدو فيه كل الظروف مساعدة لهم للحصول على أكبر مغنم فى المفاوضات – مؤكدا – أن مصلحة إسرائيل أن تتفاوض الآن وهي أقوي من أي عدو لها ، بدلا من أن تنتظر حتى يقوى أعداؤها " .
***
وإذا كانت الصهيونية قد استخدمت الدين كستار لتحقيق أهدافها بداية من قيام إسرائيل بزعم أنه تحقيق لوعد إلهي ، وأن يهودية إسرائيل شرط يجب أن يعترف به الفلسطينيون إن أرادوا التفاوض مع الإسرائيليين ، وهو ما يعني طرد الفلسطينيين ، فإن دراسة علمية وتاريخية روسية قد أثبتت أنه لا توجد أمة يهودية ، وهذه الدراسة كتبها الباحث الروسي " يفجيني يفسيين " بعنوان " الفاشية تحت نجمة داوود " ، وقد نفي فى بحثه وجود أمة يهودية من نسل قدماء العبرانيين الذين عاشوا فى العصور التاريخية التى تتحدث عنها التوراة .. وقال الباحث الروسي فى دراسته التى استند فيها إلى مراجع تاريخية وعلمية :
" لقد ثبت منذ زمن بعيد أن قدماء العبرانيين قد امتصتهم الشعوب الأخرى امتصاصا كاملا ، وأن ما تبقي هو كلمة " يهودي " التى تطلق تقليديا على كثير من الجماعات البشرية التى تختلف كل منها عن الأخرى بفوارق كبيرة من ناحية تقسيم الأجناس البشرية ، والحياة فى بيئة جغرافية وقومية متباينة " .
ونفي البحث بشكل قاطع فكرة وجود أمة يهودية ، وقال : إن من عقائد اليهود وجود أمة يهودية أبدية .
واقترح الباحث أن تقيم إسرائيل والصهيونية تمثالا ل " أدولف هتلر" الفوهرر المجنون الذى أكد فى كتابه " كفاحي " العقيدة الرئيسية الصهيونية ، مع وجود شعب يهودي .
وهكذا أسست الصهيونية الأساطير لإقامة وطن على أسس دينية ، ونجحت فى خداع العالم بدعاياتها وأكاذيبها ، بينما فشل العرب فى الدعاية للقضية الفلسطينية ، واستعمال أسلحتهم – البترول ومقاطعة المنتجات الأمريكية - فى الضغط على أمريكا من أجل إجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة ، بل إن المثير للدهشة والعجب أن الفلسطينيين أصحاب القضية أنفسهم منقسمين على أنفسهم فى صراع خائب على سلطة وهمية فى غزة ورام الله ، بينما لا تزال بلادهم رهينة تحت الاحتلال الإسرائيلي ، وحتى بعد المغامرة المجنونة غير المحسوبة لحماس يوم السابع من أكتوبر 2023 والتي ترتب عليها حرب الإبادة الإسرائيلية للشعب الفلسطيني ، فإن المصالحة الفلسطينية تبدو مستحيلة فى ظل تمسك القادة الفلسطينيين بأوهام السلطة دون أي اعتبار للشعب الفلسطيني ، الذى هو ضحيتهم قبل أن يكون ضحية للآلة العسكرية الإسرائيلية منزوعة الشرف والأخلاق ، فلا تلوموها ، ولكن لوموا من أعطاها الفرصة ومنحها الأسباب لإحداث نكبة جديدة للشعب الفلسطيني ، لا أحد يعرف لها نهاية .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...
شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...
السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...
الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...